صادرة بترخيص من وزارة الثقافة والإعلام

جماعات الإسلام السياسي. مضحكات مصر ومبكياتها

  • سياسة
  • 769 قراءة
  • -1 تعليق
  • 28 أكتوبر, 2012, 23:06

قراءة : جمال دربك  


يبدو أن مقولة المتنبي الشهيرة التي صاغها شعرا قبل نحو 11 قرن، تحولت من وصف لحالة مصر في هذا الزمان البعيد إلى قَدَر لصيق بها، لا يتغير رغم مرور كل هذا الزمن الطويل. "كم ذا بمصرَ من المضحكات.. ولكنه ضحك كالبُكا"

ذاك التناقض، يبدو أنه لم يغادر أرض مصر منذ عهد الدولة الإخشيدية في القرن الرابع الهجري وحتى الدولة الأخوانية الآن، وهو ما قد يحولها إلى إحدى دول العجائب اجتماعيا وسياسيا، كون أهلها لا يكفون عن تمصير كل شيء منذ قديم الأزل، حتى المسلّمات والثوابت الكونية والظواهر الطبيعية، فيصبح الموت من أسرار الخلود، وتتغير طبيعة النسر من طائر يأكل الجيف، إلى صائد نبيل مثل الصقور، فيسمى "النسر المصري"، ويجعلون النيل نهرا مصريا، بينما يتشارك فيه نحو 10 دول أخرى.. هكذا يستمر التمصير.

"كم ذا بمصر من المضحكات".. عدّد بعضها المتنبي في قصيدته الشهيرة، ولكنه لم يكن يعلم أن ما قاله آنذاك، سيضيف عليه المصريون فيما بعد الكثير والكثير من المتناقضات الأخرى الأكثر إضحاكا وإبكاءً في آن معا.

ولعل ما شهدته مصر منذ اندلاع ثورتها المجيدة في 25 يناير وحتى الآن، يكفي لأن يجعل من بيت المتنبي الشهير شعارا جامعا مانعا، حيث أخرجت الثورة العديد من المتناقضات؛ من سخرية أصيلة، وحزن عميق.. من فوضى عارمة وتنظيم نادر.. من تديّن وتفلّت.. من طيبة وخبث.. من تسامح وعناد.. ومن وسطية وتطرف. كما طفحت أيضا في شوارع مصر العديد من الخفايا والخبايا والظواهر التي كانت تتواري في جحور المجتمع، أو غيرها مما لفظها الناس عبر القرون.

ومن أخطر ما عرفه الناس بعد الثورة، بينما كانوا من قبلها يسمعون عنه فقط، أو يقرأون حوله في بعض الصحف، هو ما يعرف بـ"التطرف الديني"، وما تبع ذلك من أسماء كانت لا تُتداول إلا عبر صفحات الحوادث وبيانات وزارة الداخلية كمطلوب القبض عليهم في قضايا سطو مسلح أو قتل أو حرق أو تفجير.. يضاف إلى ذلك بعض الأسماء الأخرى المستجدة، والتي لم يكن يعرفها الناس إلى بما يميزون به أنفسهم من لحى طويلة وجلابيب قصيرة وكروش منتفخة ووجوه عابسة، وهؤلاء الجدد لم يقصّروا من جانبهم في تأكيد صورتهم والتعريف بأنفسهم كما يجب أن يكون التعريف، من خلال تنوع جماعاتهم وأفكارهم وأنواعهم، وأيضا حوادثهم.

فمن بدعة القسم الدستوري المحرّف الذي أقسموا عليه عند التحاقهم بمجلس الشعب، إلى ما يملأون الحياة السياسية به في مصر من قضايا لا علاقة لها بالحياة، ولا بمشاكل مصر المتفاقمة، من كفاحهم من أجل إقرار زواج الرضيعة والطفلة، إلى رفضهم ذكر كلمة "رق" في الدستور، ربما أملا في أن تعود النخاسة من جديد، إلى دعوتهم إلى هدم الآثار باعتبارها أصناما، وخوفهم من أن يعبدها الناس في مصر، والكثير من القضايا الأخرى، التي تدخل في ما يعرف بفكر التنطّع.

فإلى جانب هذا، عرف الناس بعد الثورة عددا من الأسماء والوجوه التي ترفع شعارات إسلامية، ويحشدون الناس تحت هذا الشعار دون أن يدرك الكثيرون حقيقة فكرهم وانتماءاتهم، ومن بين هؤلاء الشيخ حازم أبو إسماعيل، الذي تداول الناس طرائفه كثيرا، وخطبه النارية التي لم ينفّذ منها حرفا واحدا، ولذلك لم يستوقف الناس لديه غير اتهامه بالتزوير في أوراق ترشحه لرئاسة الجمهورية، عندما أقر في أوراق ترشحه أنه من والدين مصريين، لتكشف الأوراق الرسمية بعد ذلك أن والدته أمريكية الجنسية، وهي القضية التي ملأ الدنيا خلالها صياحا أنه مضطهد من المجلس العسكري وأمريكا وقوى كونية أخرى، وأنهم لفقوا له ذلك، وأن لديه ردود أسماها "مزلزلة" سوف يثبت من خلالها أن أمه مصرية، ولم يسبق لها أن حملت الجنسية الأمريكية، وهو ما عجز عن إثباته حتى الآن رغم تولي أصدقائه من الأخوان المسلمين مقاليد الحكم، بل أنه أعلن مؤخرا عن عدم رغبته في الترشح للرئاسة مرة أخرى، بعد أن ظهرت إرهاصات الدستور الجديد بأن نفس الشرط لن يتغير، وهو أن يكون الرئيس من أبوين مصريين.

ولأن لا أحد يريد أن يدخل في صراع مع أبو إسماعيل وحلفائه، فلم يوجه له أحد تهمة التزوير في أوراق رسمية، والتي عقوبتها السجن، واكتفى الجميع بأن يعرف الناس حقيقة أمره، بينما كثير من أتباعه مازالوا يرون أن لا إشكالية في الكذب أو التزوير مادام ذلك سيؤدي إلى فوز شيخهم، وبالتالي تطبيق الشريعة الإسلامية، متناسين أن الشريعة تحرّم الكذب وتجرّمه، بل وتخرج صاحبه من الإيمان.

ومن الشخصيات الجديدة الأخرى التي ظهرت على الساحة السياسية رافعة شعارات إسلامية سلفية، كان نائب مجلس الشعب المنحل أنور البلكيمي، الذي اشتهر بقضية التلفيق والكذب الشهيرة، والتي وجهت له النيابة فيها تهمة البلاغ الكاذب، بعد أن تعمد تلفيق قصة أمام الرأي العام بتعرضه لعملية اعتداء وسطو، بينما كان يزوّر الحقائق ليتهرب من فضح أمره في إجراء عملية تجميل في أنفه، حيث يحرّم شيوخ تياره تلك العمليات، فخاف انتقادهم، ولم يَخَف من أن يواجه الله كذابا.

ومن البلكيمي إلى النائب علي ونيس، وهو من التيار السلفي، وعضو سابق في المجلس المنحل، والذي عرفه الناس من خلال بعض البرامج التليفزيونية عبر الفضائيات السلفية، والتي كان ينادي من خلالها الشباب بمكارم الأخلاق والعفة، بينما تم ضبطه متلبسا بفعل فاضح، ووضع مخل بالآداب العامة في سيارته مع إحدى الساقطات، وهو الآن هارب من الشرطة التي تسعى إلى تنفيذ أمر بالقبض عليه.

ومن أصحاب الفضائح إلى عدد آخر من المستجدين على ساحة التشنج باسم الدين طلبا للسياسة، يظهر عدد آخر من الضاحكين والمضحكين، والسبابين والشتامين، والهمازين واللمازين، متناسين أن كل تلك الخصال الذميمة نهى الإسلام عنها، وتخالف الشريعة الإسلامية التي يطالبون بتطبيقها، ومن أمثال هؤلاء وجدي غنيم، الذي لم يستطع أحد حتى الآن تصنيفه؛ فالرجل ليس داعية، حيث لا يدعو إلى أي شيء، ولكنه مجرد "منتقد"، يكفر كل الناس، وينتقد كل الناس، ويرفض كل الناس. ومؤخرا ظهر بحماسة أخرجته من قواعد الأدب، حيث راح يسب ويشتم يمينا ويسارا بشتائم يندى لها الجبين، بينما كان يجب أن يتحلى بقواعد الأخلاق الإسلامية والإنسانية، مادام يصنف نفسه متدينا، كما يجب عليه أيضا أن يجيب على أسئلة الكثيرين حول مصادر دخله، وهو المقيم خارج مصر منذ سنوات طويلة، ولا تُعرف له وظيفة.

ومن وجدي غنيم لن نبتعد كثيرا لنصل إلى خالد عبدالله، مقدم البرامج في إحدى القنوات السلفية، فهما قريبي الشبه، حيث أن الأخير أيضا تخصص في السب والقذف والتكفير لكل من يخالف تياره السياسي، حتى بات الناس يتندرون بما يقول، فأطلقوا عليه "عكاشة أبو دقن"، نسبة إلى توفيق عكاشة المهرّج الإعلامي المعروف، حيث يحاول خالد أيضا الاستظراف من خلال سب خصومه وشتمهم، ولا شيء غير ذلك من القواعد المعروفة للموضوعية، ولا حتى المعروفة من الدين بالضرورة.

ولا تكتمل الصورة على ساحة "التدين المصري" الجديد من خلال هؤلاء السابقين فقط، من "المتهمين" الجدد، وإنما هناك جانب آخر في الصورة يبدو أكثر تشوّها؛ من خلال بعض "الإسلاميين القدامى"، من المذنبين والمجرّمين بأحكام قضائية، والذين اُتهم الكثير منهم من قبل بجرائم شنيعة وكبائر في الدين، مثل القتل والسطو المسلح والإرهاب والتفجير والإفساد في الأرض، حيث تعج الساحة السياسية في مصر الآن بالعديد من الشخصيات المعروفة للناس منذ أواخر السبعينات وحتى الآن، وقد سبق لهم السجن لسنوات طويلة بتهم القتل والسطو المسلح والسلب والنهب، حيث كانوا يؤمنون بـ"استحلال" أموال الناس ودمائهم، باعتبار أن هؤلاء الناس كفار ويجب قتالهم وسرقتهم. ورغم أن هؤلاء قضوا مدد سجنهم واعتقالهم لسنوات طويلة، فقد اعترفوا بتلك الجرائم الذي ارتكبوها، وأعلنوا من محبسهم عن ما عرف باسم "المراجعات الفكرية" في 5 يونيو 1997م، والتي اعترفوا فيها بانحراف فكرهم ومنهجهم، إلا أن الكثير من الناس يرون أن ذلك التراجع ليس حقيقيا، وإنما كان تكتيكيا لمحاولة خداع النظام السابق لإطلاق سراحهم، وهو ما يؤكده تصريح أحد قادتهم وهو صفوت عبدالغني، الذي هدد بالعودة إلى العنف إذا حدث انقلاب عسكري على الثورة في مصر، وهو ما جدد التساؤل حول تلك المراجعات، بل وحول أفكارهم أصلا، وهل هي إسلامية وشرعية فعلا أم سياسية، لأنها لو كانت شرعية وإسلامية لما تنازلوا عنها بشروط، أو تمسكوا بها بشروط، فهي إما أن تكون لله والإسلام، أو تكون لأهداف ومآرب أخرى.

وغير هؤلاء، هناك آخرون ممن لم يراجعوا مواقفهم، وقام نظام الأخوان الحالي بإطلاق سراحهم من المعتقلات باعتبارهم حلفاء لهم، رغم أن بعضهم ضلع في عمليات قتل وتفجيرات، راح ضحيتها عناصر مصرية من الشرطة والكثير من السياح الأجانب، ومن هؤلاء عبدالحميد أبو عقرب، الذي قتل أحد لواءات الشرطة "اللواء الشيمي" واثنين من حراسه عام 1993م، كما شارك في قتل العديد من السياح، وصدر ضده حكم بالإعدام، ولكنه ظل هاربا من العدالة لمدة 15 عاما.. وغير أبو عقرب هناك محمد الظواهري، وهو شقيق أيمن الظواهري المنسوب إليه قتل آلاف المسلمين في العالم، ولا يمر أسبوع دون أن يقتل العشرات من مسلمي باكستان وأفغانستان، بحجة قتل جندي أمريكي، غالبا لا يُقتل. ومحمد الظواهري من قيادات جماعة تكفيرية تسمي نفسها "السلفية الجهادية"، وهي المنسوب إليها عمليات قتل الجنود المصريين في سيناء، ولازالوا إلى الآن يقاتلون الجيش المصري، ويشنون غارات على مواقعه هناك. وتدور حول تلك الجماعة العديد من الشبهات حول مصادر تمويلها والذي يتكلف مئات الملايين من الدولارات، وأساليب تأمين وتهريب أسلحتها وعناصرها، والتي تتطلب عمليات مخابراتية دقيقة عبر أكثر من دولة.

وبالإضافة إلى سالفي الذكر، هناك العديد من "النجوم" الآخرين البارزين على الساحة السياسية في مصر حاليا، على رأسهم عبود الزمر وطارق الزمر وناجح إبراهيم وعصام دربالة وعاصم عبدالماجد وصفوت عبدالغني، وغيرهم الكثير، فمنهم من شارك في قتل الرئيس الأسبق أنور السادات، بالإضافة إلى ضلوعهم في قتل المئات من عناصر الشرطة المصرية والأهالي والأطفال والنساء والسياح في صعيد مصر والقاهرة، من خلال عمليات القتل المباشر أو التفجيرات في المقاهي والشوارع والأماكن العامة، بل والطعن والذبح بدم بارد، ومنهم من شارك في حرق محلات والسطو المسلح عليها مثل محلات الذهب التي يملكها الأقباط وغيرهم، ومنهم من تخطت عملياته الحدود المصرية إلى أفغانستان وألبانيا والبوسنة والصومال ونيروبي ودار السلام والسودان والجزيرة العربية وغيرها. وقد شارك هؤلاء في قتل ما يزيد على 400 شرطيا مصريا في حوادث متفرقة، قتل منهم عاصم عبدالماجد عضو الجماعة الإسلامية -"حزب البناء والتنمية" حاليا- بمفرده 118 مسلما بينهم جنود وضباط شرطة ومواطنين كانوا في طريقهم لتأدية صلاة العيد في محافظة أسيوط عام 1981م.

تلك بعض نماذج الشخصيات التي ظهرت مؤخرا على الساحة السياسية في مصر تحت شعارات إسلامية. وجميعهم يحمل جرائم ثابتة اعتبرها الشرع من الكبائر، إلا أنهم يسهمون –مخلصين- في تطبيق بيت المتنبي عمليا على أرض الواقع "كم ذا بمصر من المضحكات"، حيث يدعو هؤلاء جميعا إلى تطبيق الشريعة في مصر، ويحشدون أتباعهم لذلك يوم الجمعة القادمة، رغم أن تلك الشريعة لو طُبقت عليهم فإن جزاءهم الإعدام والجلد وتقطيع أيديهم وأرجلهم من خلاف، ولكن يبدو أنه نوع جديد أيضا من "تمصير الشريعة"، بأن ينادي مخالفوها بتطبيقها على الناس، بينما لا يطبقوها على أنفسهم.

التعليقات

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي آي برس وإنما تعبر عن رأي أصحابها

تعليقك على الموضوع

لا تتوفر نتائج هذه اللحظة.

إستطلاعات سابقة

هل يستجيب مليونيرات مصر لدعم مشروع القناة

لا تتوفر نتائج هذه اللحظة.

إشترك معنا

اشترك معنا في نشرة الموقع الأسبوعية لتصلك بالبريد

[ إغلاق ]
عزيزي الزائر,
الرجاء ترقية المتصفح الذي لديك لكي تستطيع تصفح موقعنا بشكل أفضل, لأنه تم التحقق من إستخدامك لمتصفح قديم جداً. منذ أكثر من عشر سنوات.
نحن ننصحك بالترقية إلى أحد المتصفحات التالية:
Internet Explorer آخر إصدار Google Chrome Mozilla Firefox Apple Safari Opera